الطالب محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي
65
فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور
لهم من حسن خلقه الذي خصه اللّه به عن أهل زمانه ، ويدعو الناس بأحب أسمائهم إليهم ، ولا يدعو ذا لقب قبيح بلقبه ، ولا يدعو على ظالم إلا أن يكون ضارّا للمسلمين فحينئذ يدعو عليه . وخطه من أحسن الخط وأبدعه ، وانتفع الناس بكتبه ، وأهل بلده يحبونه كلهم ومتوافقون على فضله ويمدحونه ، بل كل من يعرفه أو سمعه ، وبذلك جرت عادة اللّه تعالى مع عبادة المتقين . قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا . وقال بعض العلماء لمالك : اتق اللّه يحبك الناس وإن كرهوا . ويأتيه الناس يتبركون به عند كل صلاة ويسألونه أن يدعو لهم . وكان رحمه اللّه تعالى أبا لليتامى والضعفاء والمساكين والأرامل والغرباء شديد الرحمة والرأفة بهم . وكان قائما بأمور المسجد حتى قال بعض الناس يوم وفاته : اليوم تيتم المسجد . كثير القيام بالسنة ، ولقد رأيته يوما خسفت الشمس وأرسل للناس يأتون للصلاة ، فاعتذروا ولم يأته أحد فمضى وحده نحو المسجد يريد أن يصليها ومشيت معه ، فلما دخلنا المسجد انجلت الشمس . ورأيته يخرج لصلاة الاستسقاء في بعض المرات ما معه إلّا نحو رجلين أو ثلاثة ، ويمر بالجماعة الكثيرة ويدعوها للصلاة فلا يقوم معه أحد ، وربما قام معه واحد أو اثنان . ولم يقل من الشعر إلا نحو قصيدتين اتباعا للسنة ، ولما قال ابن أبي زيد في الرسالة : ولا ينبغي أن يكثر منه ومن الشغل به . وكان أول دهره يصلي صلاة التراويح في بيته ، حتى رآها ضعفت في المسجد فداوم عليها حتى قبضه اللّه تعالى . وكان لا يحضر مجلس الحديث حتى رأى قلة الجماعة لما مات بعض الأشياخ الذين كانوا يحضرونه ، فداوم عليه حتى توفي رحمه اللّه تعالى . ويكره قراءة الجماعة للقرآن على الميت ، ويكره طابة والشم أشد الكره . وقال يوما لبعض تلاميذه لما رآه يشم : إن اللّه يحب معالي الأمور ويكره سفسافها . وكان مشتغلا بما يعنيه وتاركا لما لا يعنيه ، فلم ير قط جالسا في المجالس ، ولا في الطرق إلا إذا أراد أن يقول لأحد كلاما